محمد متولي الشعراوي
1758
تفسير الشعراوى
إذن فهو قول مناسب : « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ » وجاء الحق هنا ب « ذَكَرُوا اللَّهَ » كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي اللّه ، فلحظة فعل الفاحشة أو ظلم النفس لا يكون اللّه على بال الإنسان الفاعل للفاحشة أو على بال من ظلم نفسه ، والذي يجرّئ الإنسان على المعصية ليحقق لنفسه شهوة ، أنّه لم ير اللّه ولم ير جزاءه وعقابه في الآخرة ماثلا أمامه ، ولو تصور هذا لامتنع عن الفاحشة . وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضا ، لم يذكر اللّه وعطاءه للمتقين . ولو ذكر اللّه وعطاءه للمتقين لما تكاسل عن طاعة اللّه . ولذلك يقول الحق : « ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ » فمن يستغفر لذنبه فقد ذكر اللّه . وموقف العلماء من الفاحشة فيه اختلاف . بعض العلماء قال : إنها الكبيرة من الكبائر ، وظلم النفس صغيرة من الصغائر . وقال بعض آخر من العلماء : إن الفاحشة هي الزنا ؛ لأن القرآن نص عليها ، ومادون ذلك هو الصغيرة . ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( لا كبيرة مع الاستغفار . ولا صغيرة مع الإصرار ) « 1 » فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز عن أخطائه ويقول : هذه صغيرة وتلك صغيرة لأن الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة . وحين ننظر إلى قول اللّه تعالى : « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » نجد أن الذي فعل الفاحشة ظالم لنفسه أيضا لأنه حقق لنفسه شهوة عارضة ، وأبقى على نفسه عذابا خالدا . ولماذا لم يقل الحق إذن : والذين ظلموا أنفسهم فقط ؟ أي يكون العطف ب ( الواو ) لا ب ( أو ) ؛ لأن الحق يريد أن يوضح لنا الاختلاف بين فعل الفاحشة وظلم النفس . لأن الذي يفعل الفاحشة إنما يحقق لنفسه شهوة أو متعة ولو عاجلة ، لكن الذي
--> ( 1 ) رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه ، ورواه البيهقي - عن ابن عباس - موقوفا ، وله شاهد عند البغوي ، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعا ، وأخرجه الطبراني عن أبي هريرة ، وزاد في آخره « فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارا كثيرا » لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك .